المحقق البحراني
12
الكشكول
أقول : ومن أعجب العجب تصريح علمائهم زيادة على نقلهم لهذه الأخبار بهذه الفضائح والمناكر وسطرها رأي العين لكل ناظر ، فمن ذلك ما صرح به أبو حامد الغزالي الملقب عندهم بحجة الإسلام في كتابه المسمى بسر العالمين وكشف الدارين في المقالة الرابعة التي وضعها لتحقيق أمر الخلافة بعد الأبحاث وذكر الاختلافات فيها ما هذه عبارته : ولكن الحجة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبة الغدير وهو يقول : « من كنت مولاه فعلي مولاه » فقال : بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ، فهذا تسليم ورضى تحكيم ثم بعد هذا غلب الهوى وحب الرئاسة وحمل عمود الخلافة وعقود البندوق وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول وفتح الأمصار والأمر والنهي فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئسما يشترون ، ولما مات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال وقت وفاته : آتوني بدواة وبيضاء لأزيل عنكم مشكل الأمر وأذكر لكم من المستحق لها بعدي . فقال عمر : دعوا الرجل انه ليهجر وقيل يهذي إلى آخر كلامه . وقد توهم بعض من يميل إلى الصوفية من علمائنا رجوع الغزالي بسبب رجوع هذا الكلام منازعة أنه رجع عن مذهبه الأول إلى مذهب الشيعة ، والحق أن هذا مما أظهره اللّه على ألسنتهم وإقامة الحجة عليهم كما وقع أمثال ذلك من غيره منهم ، وكيف لا وهو يقول عقيب هذا الكلام : والعجب منه منازعة معاوية بن أبي سفيان عليا أليس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قطع طمع من طمع فيها بقوله : « إذا ولي خليفتان فاقتلوا الأخير منهما » والعجب من حق واحد كيف ينقسم بين اثنين والخلافة ليست بجسم ولا عرض فيتجزى ثم قال : أول حكومة تجري في المعاد على العباديين علي ومعاوية فيحكم اللّه لعلي على معاوية والباقون تحت المشيئة انتهى . فانظر إلى جعله ما عدا معاوية تحت المشيئة وما فيه من الدلالة على قوله بإمامتهم مع اعترافه بخطئهم نعم في كلامه في هذا الكتاب دلالة على عدوله عنها وكان عليه أولى من التعصب الشديد والنصب الذي ليس عليه من مزيد كما لا يخفى على من طالع كتابه إحياء العلوم وغيره . ومن ذلك ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة عن شيخه النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد بن أبي مرثد بعد تقدم كلام في الخلافة ما هذا لفظه : إن القوم لم يكونوا يذهبون إلى أنها من معالم الدين وإنما جارية مجرى العبادة الشرعية كالصلاة والصوم ، ولكنهم كانوا يجرونها مجرى الأمور الدنيوية مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعية وما